كثير منا يحمل في قلبه حلماً لم يتحقق: أن نكون عازفين أو رياضيين أو رسامين. وحين نصبح أهلاً قد نمرّر هذا الحلم إلى أبنائنا دون أن ننتبه، فنختار لهم ما نحب نحن. لكن الموهبة الحقيقية لا تُفرض؛ تُكتشف.
نهجان: الاكتشاف أم الفرض؟
نهج الفرض يبدأ من توقعات الأهل: ستصبح عازفاً. يُقاس فيه النجاح بالجوائز والشهادات، ويستمر الدرس رغم نفور الطفل، وقد يفقد الطفل متعته بالنشاط وثقته بنفسه معاً، ويشعر أن حب أهله مشروط بالإنجاز.
نهج الاكتشاف يبدأ من الطفل نفسه: نلاحظ، ونجرّب، ونسمع. يُقاس فيه النجاح بالمتعة والمثابرة والتقدم الشخصي، وقد يغيّر الطفل اهتمامه مرة أو مرتين، وهذا طبيعي ولا يعني أنه ضعيف الإرادة. فهو يبحث عن نفسه.
والنهج الثاني لا يعني ترك الطفل بلا توجيه، بل أن نكون مرشدين يفتحون الأبواب، لا حراساً يدخلونه من باب واحد.
كيف تلاحظين ميله الحقيقي؟
اسألي نفسك عمّا يحدث حين يكون حراً:
- ما الذي يعود إليه من تلقاء نفسه دون طلب؟
- أي نشاط ينسى معه الوقت؟
- ما الأسئلة التي يكررها؟
- ما الذي يحب أن يشرحه لغيره؟
- أين يتحمل الإعادة والتعب دون شكوى؟
وأتيحي له خبرات متنوعة قبل أن تحكمي: رسم وموسيقى ورياضة وبناء وطبخ وقراءة وحديقة وورشة. جرّبي تجارب قصيرة ومرنة قبل الالتزام بدورة طويلة، فقد يكتشف في دقائق ما لا تكشفه شهور من التخمين.
ولا تستعجلي في وصف طفلك بـ«الموهوب» وإعلان ذلك أمام الناس، فاللقب الثقيل قد يرهبه ويجعله يخاف الخطأ. اكتفي بتشجيعه على ما يفعله، وقولي له ما الذي أعجبك في عمله بالتحديد، فهذا أنفع له من أي لقب.
بين المتعة والتعب
لا بد أن يتعب الطفل أحياناً في أي نشاط يحبه، فالتقدم يحتاج إلى مجهود. والمهم أن تفرّقي بين ملل عابر وبين نفور مستمر:
- ملل عابر: يظهر عند الصعوبات ويزول بعد استراحة أو تغيير في الأسلوب. شجّعيه على الاستمرار قليلاً.
- نفور مستمر: يظهر قبل كل جلسة ويرافقه حزن أو أعذار متكررة. هنا اسأليه بصدق عمّا يضايقه، وكوني مستعدة لتغيير المسار.
ومن الأفكار المفيدة اتفاق قصير الأمد: نكمل حتى نهاية هذا الشهر ثم نقرر معاً. وهذا يعلّمه الالتزام دون أن يشعر بأنه سجين قرار لا مخرج منه.
وحافظي على التوازن مع الدراسة والنوم واللعب الحر. فجدول مزدحم بالدورات من الصباح إلى المساء يحرم الطفل من أهم ما يحتاجه: وقت يتخيل فيه ويستريح ويكون طفلاً.
الهواية ليست مسابقة
لا تقارني طفلك بإخوته أو بأبناء الأقارب. امدحي جهده وصبره، لا النتيجة وحدها، واحتفلي بمحاولاته حتى لو لم تكن مثالية. وتذكّري أن الهواية لا يلزم أن تتحول إلى موهبة نادرة أو مهنة؛ يكفي أنها تمنحه فرحاً ومهارة وثقة، وتعلّمه أن يتقن شيئاً بالصبر.
وتذكّري أن بعض الميول تظهر متأخرة، وأن اهتمام الطفل يتغير مع نموه؛ فما يحبه اليوم ليس بالضرورة ما سيحبه بعد سنوات. دعيه يتغير، وابقي أنتِ الأرض الثابتة التي يعود إليها.
الموهبة تنمو في تربة المتعة، لا في تربة الإلزام.
وحين يطلب المزيد ويتجاوز ما تستطيعين تقديمه في البيت، ابحثي عن معلم أو نادٍ يناسب عمره ويحترم متعته. اسألي عن أسلوبه مع الصغار قبل التسجيل، وراقبي حال طفلك بعد الحصة: هل يخرج سعيداً ومتحمساً؟ فهذه أصدق علامة على أنكما اخترتما الطريق الصحيح.







