نقول لأطفالنا كل يوم: «أنت ذكي، أنت رائع، أنت الأفضل». ومع ذلك يتردد بعضهم أمام أي مهمة جديدة، ويقول: «لا أستطيع». السبب أن الثقة بالنفس ليست شعوراً يُمنح بالكلام وحده، بل تتكون حين يجرّب الطفل ويتعثر ويحاول فيكتشف أنه قادر.
ما الثقة بالنفس؟
الثقة ليست غروراً ولا اعتقاداً بأنك الأفضل. هي أن يؤمن الطفل بأن له قيمة، وبأنه قادر على المحاولة والتعلم من الخطأ. الطفل الواثق يستطيع أن يقول «لا أعرف» و«ساعدني» دون خجل، ويقبل أن يخسر أحياناً دون أن ينهار.
وتتغير مصادر الثقة مع العمر: ففي سن ما قبل المدرسة تُبنى بالاستقلال في الأمور الصغيرة، وفي سن المدرسة بالإتقان والإنجاز، وفي المراهقة بالقبول والانتماء واحترام الرأي.
مديح يبني ومديح يضعف
الطريقة التي نمدح بها تصنع فرقاً كبيراً. قارني بين هذه الأمثلة:
- بدل «أنت ذكي»، قولي: «لقد تعبتَ في حل هذه المسألة، وجرّبت طريقة أخرى».
- بدل «رسمتك أجمل رسمة»، قولي: «استخدمتَ ألواناً كثيرة، حدثني عن رسمتك».
- بدل «أنت الأول دائماً»، قولي: «أراك استمتعت بما تعلمته هذا الأسبوع».
حين نمدح الجهد والطريقة، يفهم الطفل أن النجاح يأتي من العمل، وأنه يستطيع التحسن. أما حين نمدح صفة ثابتة فقط، فقد يخاف أن يخسر هذه الصفة عند أول خطأ، فيتجنب التحديات.
عادات يومية تبني الثقة
- أعطيه مهاماً تناسب عمره. صبّ الماء، ترتيب الحقيبة، إطعام الحيوان الأليف. وتحلّي بالصبر على بطئه، فالمهمة التي ينجزها بنفسه تعني له أكثر من مهمة أنجزتِها له بإتقان.
- اترك له خيارات مناسبة. ماذا يلبس؟ أي كتاب يقرأ؟ أي طبق يضيف إلى الغداء؟
- لا تنقذيه فوراً. حين يواجه صعوبة، اسأليه: «ما الذي تظن أنه يمكن أن تفعله؟» ثم دعيه يجرب قبل أن تتدخلي.
- تقبّلي أخطاءه. قولي: «لم تنجح هذه المرة، فماذا نتعلم منها؟» وحدثيه عن أخطائك أنتِ وكيف أصلحتِها.
- لا تقارنيه بغيره. قارنيه بنفسه قبل شهر: «كنتَ لا تستطيع ربط حذائك، واليوم تحاول وحدك».
- استمعي إلى رأيه وخذيه بجدية، فالطفل الذي يُسمع يتعلم أن لصوته قيمة.
- ادعمي هواياته ونقاط قوته، ولو لم تكن ما كنتِ تتمنين.
مثال من البيت: طفلة تحاول أن تصب الحليب بنفسها فينسكب نصفه. قد يكون الرد الأول «اتركيه، سأفعله أنا»، لكن الرد الذي يبني الثقة هو: «لا بأس، نمسحه معاً، وجرّبي مرة أخرى بإمساك الإبريق بيديك الاثنتين». هكذا يتحول الخطأ إلى تعلّم لا إلى خجل، وتفهم الطفلة أن المحاولة مقبولة حتى لو لم تنجح من أول مرة.
الطفل لا يحتاج إلى من يقول له إنه الأفضل، بل إلى من يؤمن بأنه قادر على المحاولة.
ما الذي يهدم الثقة؟
- السخرية من أخطائه أو شكله أو طريقة كلامه.
- النقد أمام الآخرين، حتى لو كان بنية حسنة.
- التوقعات العالية جداً التي لا يستطيع بلوغها مهما اجتهد.
- الحماية المفرطة، فهي تقول له دون كلام: «أنت لا تستطيع».
- الألقاب السلبية مثل «الكسول» و«البطيء» و«المشاغب».
وإن كان طفلك يبدو منسحباً دائماً أو شديد الخوف من الفشل أو يقلل من قيمة نفسه باستمرار ويبكي عند كل خطأ، فتحدثي إلى معلمته أو إلى مرشد المدرسة، واستشيري مختصاً نفسياً إن استمر الأمر.
خلاصة: امدحي الجهد لا اللقب، وامنحي طفلك فرصاً صغيرة ليجرب، وتقبّلي أخطاءه، فهذه هي الثقة التي تدوم.
الثقة تُبنى كما يُبنى الجدار، حجراً حجراً. وكل مرة تتركين فيها طفلك يحاول وحده، تضعين حجراً جديداً.







