تعودين من العمل فتجدين الابن الأكبر قد ضرب أخاه الرضيع بخفة «بالخطأ»، أو يطلب فجأة زجاجة الحليب كما يفعل الصغير، أو يصيح: «أنتِ تحبينه أكثر مني». تشعرين بالذنب والحيرة معاً. اطمئني، فهذه الغيرة من أكثر المشاعر شيوعاً في البيوت، ولا تعني أن أبناءك لا يحبون بعضهم.
لماذا تظهر الغيرة؟
- مولود جديد يستحوذ على وقت الأم واهتمامها.
- الشعور بالتفضيل، حقيقياً كان أو متخيلاً.
- المقارنة بين الإخوة في الدراسة أو السلوك أو الشكل.
- المنافسة على الأشياء: الألعاب، المكان في السيارة، انتباه الأب.
- اختلاف الأعمار، فالأكبر يُطالب بالتنازل دائماً، والأصغر يُدلَّل.
ومن علاماتها: العودة إلى سلوك أصغر من عمره، والعدوانية تجاه الأخ، والبكاء السريع، أو الإكثار من لفت الانتباه بالمشاغبة.
ما الذي يخفف الغيرة فعلاً؟
وقت خاص لكل طفل
خصّصي لكل واحد من أبنائك وقتاً قصيراً منتظماً معك وحدكما، حتى لو كان عشر دقائق في اليوم دون هاتف. اتركيه يختار النشاط. هذه الدقائق ترسل له رسالة قوية: «أنت مهم عندي بذاتك».
اسمحي له بأن يشعر
لا تنكري مشاعره بعبارات مثل «لا يجوز أن تغار من أخيك». الغيرة شعور، والمشاعر لا تُحاسَب، وإنما السلوك هو ما نضبطه. قولي: «من حقك أن تغضب لأنني مشغولة بالصغير، لكن ليس من حقك أن تؤذيه». وحين يُسمح للطفل بالتعبير بالكلمات، يقل احتياجه إلى التعبير بالأذى.
العدل لا يعني التطابق
العدل أن يأخذ كل طفل ما يحتاجه، لا أن يأخذ الجميع الشيء نفسه بالمقدار نفسه. فإذا احتاج الصغير إلى مزيد من الرعاية في أسبوع، فقولي لأخيه: «أنا أعتني بأخيك الآن لأنه يحتاجني، وحين يحتاجني أنت سأكون معك أيضاً».
امتنعي عن المقارنة والتصنيف
عبارات مثل «أخوك أهدأ منك» أو «أنت الشاطر وهو الكسول» تُشعر الطفل بأنه لا يُقبل كما هو، وتزرع المنافسة بين الأخوين. وتجنبي الألقاب الثابتة مثل «الكبير المسؤول» و«الصغير المدلل»، فهي تسجن كل طفل في دور.
اجعليهما فريقاً
ابحثي عن مواقف يعمل فيها الأخوان معاً: بناء برج من المكعبات، أو إعداد مفاجأة للأب، أو ترتيب الغرفة. وامدحي التعاون بينهما بصوت مسموع: «رأيت كيف ساعدت أخاك، وكيف شكرك، وهذا جميل». وكلما اجتمع الإخوة على هدف مشترك، ضعف الشعور بأن كل واحد منهما خصم للآخر.
الطفل لا يطلب أن يكون الأفضل، بل أن يكون محبوباً كما هو.
مواقف يومية وكيف تتعاملين معها
- حين يقول «أكرهه»: لا توبخيه. قولي: «أنت غاضب من أخيك، لكن لا أسمح بالضرب. أخبرني ماذا حدث».
- حين يتشاجران على لعبة: اجعلي لكل طفل ألعاباً خاصة لا يُجبر على مشاركتها، وألعاباً مشتركة لها دور وجدول بسيط.
- حين يأتي مولود جديد: أشركي الأكبر في الاستعداد، واطلبي مساعدته بما يناسب عمره، كأن يحضر الحفاظة أو يختار ثياب أخيه، وامدحي دوره دون أن تثقلي عليه. واحرصي على أن يبقى له وقته المعتاد معك ومع أبيه، فلا يشعر أن الرضيع سرق مكانه.
- حين يشتكي أحدهما من الآخر باستمرار: استمعي إلى الشاكي دون أن تحكمي فوراً، وشجّعيهما على اقتراح حل بينهما.
- حين يعتدي أحدهما: تدخلي لحماية المعتدى عليه أولاً، ثم عالجي الموقف بهدوء مع الطرفين.
دعي الخلافات الصغيرة تُحل بينهما
ليس كل شجار يحتاج إلى حكم. إذا لم يكن هناك خطر أو أذى، اتركيهما يجربان الحل قليلاً، وتدخلي إن تصاعد الموقف. فالإخوة يتعلمون في هذه الخلافات الصغيرة التفاوض والاعتذار والتسامح.
وإن بدت الغيرة شديدة ومستمرة، يصحبها حزن واضح أو عدوانية متكررة أو رفض للطعام أو الذهاب إلى المدرسة، فاستشيري طبيب الأطفال أو مرشداً نفسياً.
علاقة الإخوة تُبنى سنوات طويلة، ولبنتها الأولى شعور كل طفل بأن حب والديه لا ينقص حين يُحَب أخوه.







